recent
أخبار سوشيالجي

لماذا يلحق بعضنا الأذى بالآخرين دون مبرر

هناك من يستمتعون وينالون قدرًا من الإثارة بمشاهدتهم لشخص ما في وضع ضعيف أو مُهَدَد.

sociallegy.com

ما الذي يفسر تعامل البعض بقسوة مع الآخرين ممن لا يشكلون تهديدا لهم، بما يشمل في بعض الأحيان أطفالهم هم أنفسهم؟ وما هو مصدر هذا السلوك، ولأي غرض يُمارس؟


خَلُصَ الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال في عام 1658 إلى أن البشر هم "مجد هذا الكون وغثاؤه وحثالته كذلك“. فنحن نحب ونكره، ونساعد الآخرين ونلحق بهم الضرر. نمد لهم اليد بالسلام، ونطعنهم بالسكاكين.


نحن نتفهم رؤية شخص ما يستشيط غضبا، أو يتصرف بشكل مندفع وعدائي، دفاعا عن نفسه أو انتقاما من شخص آخر، لكن الأمر يختلف إذا رأيناه يؤذي الآخرين دون مبرر، إذ قد نسأله وقتها باستنكار: "كيف جرؤت على ذلك؟"


قد يُقْدِم البشر على هذا التصرف أو ذاك، إما لجلب المتعة لأنفسهم أو لتجنب الشعور بالألم. ومن المعروف، أن إيذاءنا للآخرين، يدفع معظمنا للشعور بالألم، وهو إحساس لا يروق لنا. 


ثمة سبب ثالث، قد يفسر سبب إيذائنا لأشخاص لم يبادروا بالإضرار بنا، وهو أننا نعتبرهم - رغم مظهرهم المسالم - تهديدا يُحدق بنا.


ربما قد يشكل شخص ما خطر على مكانتك الاجتماعية، حتى إذا كان لا يهددك جسديا أو ماليا. وقد يساعد ذلك على تفسير أسباب تصرفات، قد تبدو محيرة للوهلة الأولى، كأن نرى شخصا يضر بآخرين يساعدونه ماديا مثلا.


ولا يتفق بعض الفلاسفة مع فكرة  المجتمعات الليبرالية والتي تفترض أن تسببك في المعاناة لشخص ما، يعني إلحاقك به الضرر. وبعيدا عن ذلك الجدل، يبقى السؤال قائما: هل بمقدورنا ونحن في القرن الحادي والعشرين؛ أن نواصل تصنيف البشر على أنهم قساة لا طيبون أم لا؟


الساديون والمضطربون نفسيا:

يمكننا تعريف الشخص السادي، بأنه من يستمتع بإيذاء الآخرين أو إذلالهم، ويشعر - أكثر من أي شخص آخر - بما يشعرون به من آلام جراء ذلك.


ومع أنه يُربط في الخيال الشعبي بين من يتصفون بالسادية ومن يمارسون التعذيب ويرتكبون جرائم القتل، فإن هناك نمطا أقل تطرفا من السادية، يشيع على نحو أكبر، ويُطلق عليه اسم "السادية التي تُمارس بشكل يومي".


ربما يرفض بعضنا تعذيب الآخرين، حيث أن إلحاق الأذى بهم، يجعلنا نشعر ببعض الألم الذي يحسون به جراء ذلك.


ويجد من يمارسون "السادية بشكل يومي" المتعة في إيذاء الآخرين، أو مشاهدتهم وهم يعانون. ومن المرجح أن يشعر هؤلاء بالمتعة لمشاهدة الأفلام الدموية، وأن يجدوا المعارك والمشاجرات مثيرة، وأن يعتبروا التعذيب ممتعا.


ورغم ندرة هذا الصنف من الأشخاص، إلا أنهمم ليسوا قليلي العدد بما يكفي، فقرابة ستة في المئة من الطلاب الجامعيين، يقرون باستمتاعهم بإيذاء الآخرين.


وقد تجد من يمارسون هذه "السادية اليومية"، في صورة المتصيدين عبر شبكة الإنترنت، أو المتنمرين بزملائهم في المدرسة. أما في الألعاب التي تُمارس على شبكة الإنترنت، فيتقمص المشاركون فيها أدوارا معينة، حيث ستجد أن هؤلاء الأشخاص يصبحون على الأغلب، هم من يتحرشون عمدا باللاعبين الآخرين، ويسعون إلى استفزازهم لإفساد متعتهم. كما ينجذب أولئك الأشخاص إلى الألعاب الإلكترونية العنيفة، ويصبحون ساديين بشكل أكبر كلما مارسوها.


أما المضطربين نفسيا، أو من يُعرفون بـ "السايكوباتيين"، فسنجد أنهم لا يؤذون الأشخاص الآخرين المسالمين لمجرد استمتاعهم بذلك، رغم أن ذلك يشكل سببا محتملا، ولكن لأنهم يريدون تحقيق هدف ما، من وراء تصرفات من هذا القبيل.


ويتصرف "السايكوباتيين"  على هذه الشاكلة، لأنهم أقل عرضة للإحساس بمشاعر مثل الخوف أو الندم أو الشفقة. ومع أن بمقدور أولئك الأشخاص، تحديد مدى الألم الذي يكابده الآخرون بسبب تصرفاتهم، فإن ذلك لا يؤدي إلى تأثرهم بهذه المعاناة بأي شكل من الأشكال، ما يعني أنهم "يتمتعون“ بـ "مجموعة خطرة من المهارات“.


وخلال قرون مضت، روضت البشرية نفسها، ما جعل من العسير على الكثير من بنيها إلحاق الضرر والأذى بأقرانهم. فالكثيرون ممن قد يُقْدِمون على إيذاء شخص آخر أو تعذيبه أو قتله، سيظلون فريسة لملاحقة هذه التجربة لهم، في المستقبل. لكن لا شك في أن معاناة شخص ما من الاضطراب النفسي، تشكل مؤشرا قويا، على إمكانية أن يمارس العنف دون مبرر أو استفزاز ضد الآخرين.


ويحتاج المرء منّا لمعرفة ما إذا كان يتعامل مع شخص من هذه الفئة أم لا. وقد يتسنى لنا تحديد ذلك بقدر عالٍ من الدقة، بمجرد النظر في وجه من نحادثه، أو من خلال التفاعل معه لفترة وجيزة. لسوء حظنا، يدرك "المضطربون نفسيا" أننا قادرون على ذلك، ما يجعلهم يحاولون المقاومة والمراوغة، من خلال السعي بجد، لكي يبدون بمظهر جيد، وأن يتركون انطباعا أول إيجابيا عنهم لدينا.


لحسن الحظ، لا يعاني غالبية الأشخاص من هذه السمات "السايكوباتية". فنسبتهم لا تتعدى 0.5 في المئة. غير أن الأمور تختلف، عندما ننظر في نسبتهم بين نزلاء السجون، إذ تصل إلى نحو ثمانية في المئة من السجناء واثنين في المئة من السجينات.


لكن لا يتسم كل المضطربين نفسيا، بأنهم خطرون. فقد يسعى البعض للحصول على مشاعر الإثارة التي ينشدونها، عبر تعاطي المخدرات أو الانخراط في أنشطة خطرة.


أما "السايكوباتيون" الذين يميلون للتصرف بشكل يفيد المحيطين بهم والمجتمع بوجه عام، فيحاولون نيل مشاعر الإثارة هذه، من خلال السعي الجسور وراء الأفكار الجديدة والمبتكرة.


ولذا فإن بمقدور هؤلاء تغيير العالم الذي نعيش فيه جميعا، في ضوء أن الابتكارات هي العامل الذي يُشكِّل مجتمعاتنا حاليا. لكن علينا الإشارة هنا إلى أن التغيير الذي قد يُحْدِثه أولئك الأشخاص، قد يكون إيجابيا أو سلبيا.


من أين تأتي هذه الصفات؟

من غير المعلوم لماذا يصبح البعض منّا ساديين. فهناك من يرى أن السادية، هي آلية تكيف، ساعدتنا على ذبح الحيوانات، عندما كنا نعتمد على صيدها والتهام لحومها. بينما يشير آخرون إلى أن هذه الخصال، ساعدت من يتسمون بها، على نيل القوة والسلطة.


ويرى علماء الأعصاب أن السادية، يمكن أن تُشكّل أسلوبا للبقاء على قيد الحياة، تطور بفعل مرور البشر بحقب وعصور، سادتها ظروف قاسية.


فعندما تصبح أغذية بعينها شحيحة، يتراجع مستوى ناقل عصبي يحمل اسم "سيروتونين"؛ يوجد في الجهاز العصبي المركزي. ويؤدي ذلك، إلى جعلنا أكثر رغبة في الإضرار بالآخرين وإيذائهم، لأن القيام بذلك في هذه الحالة، يشكل متعة أكبر.


في الوقت ذاته، يمكن أن يُشكِّل الاضطراب النفسي أو "السايكوباتية" تكيفا بدوره.


وقد ربطت بعض الدراسات إصابة المرء بمستوى مرتفع من هذه الاضطرابات وتمتعه بقدر أكبر من الخصوبة، رغم أن دراسات أخرى أشارت إلى العكس تماما.


ويعود السبب في ذلك التصور، إلى أن من يعانون من "السايكوباتية"، يتمتعون بمزايا خاصة على صعيد القدرة الإنجابية، في البيئات ذات الظروف القاسية.


في الواقع، يمكن أن يزيد عدد من يعانون من هذه الاضطرابات، في ظل الأوضاع التنافسية غير المستقرة.


فالقدرات التي يتمتع بها هؤلاء، تجعلهم أساتذة في التلاعب والمناورة. ويساعدهم في ذلك اندفاعهم وجسارتهم، على الإقدام على مجازفات والحصول على مكاسب قصيرة المدى.


ولعل من شاهد فيلم "وول ستريت"، يتذكر كيف نجحت الشخصية السيكوباتية التي كانت تحمل اسم "غوردون غيكو"، في كسب ملايين الدولارات.


لكن رغم أن التمتع بهذه الخصال، قد يعطي أصحابها ميزة في عالم المؤسسات والشركات، إلا أنه لا يوفر للرجال تحديدا، سوى ميزة محدودة على صعيد الحصول على مواقع قيادية.


من جانب آخر، قد يشكل ارتباط السيكوباتية بالإبداع، بمثابة تفسير لقدرة هذا النوع من الاضطراب النفسي، على البقاء لكل هذه السنوات.



وترتبط السادية والسيكوباتية بخصال أخرى، مثل النرجسية والمكيافيلية. ويُطلق على هذه الصفات مجتمعة اسم "العامل المظلم في الشخصية".


فضلا عن هذا وذاك، هناك عامل وراثي يرتبط بهذه المسألة، يتراوح دوره ما بين كبير ومتوسط، ما يعني أن البعض قد يُولدون، وهم يحملون صفات من هذا القبيل، دون أن يكون لهم دور في ذلك.


وبعيدا عن العامل الوراثي، قد ينقل الوالدان، اللذان تحمل شخصية كل منهما، قدرا كبيرا من ذاك "العامل المظلم"، صفاتهما السلبية تلك إلى صغارهما، من خلال التصرف معهم بشكل مسيء لهم.


وأيضًا يمكن أن تؤدي رؤيتنا للآخرين، ممن يتصرفون بطرق يسلكها من يحملون هذا "العامل المظلم" بين جوانحهم، إلى أن نتعلم منهم التصرف على هذه الشاكلة. وهو ما يعني أن لكل منّا، دورا يلعبه في الحد من مستوى القسوة في مجتمعاتنا.


الخوف والتقليل من شأن الخصوم:

ورغم أن السادية تنطوي على الاستمتاع بإذلال الآخرين وإيلامهم، فإنه غالبا ما يُقال إن اعتبار الآخرين في مرتبة أدنى من مكانة البشر، هو ما يجعلنا نتعامل معهم بقسوة.


وربما نعت الضحايا المحتملين بأنهم "كلاب" أو "صراصير"، ما يجعل من الأسهل على الآخرين إيذاءهم، كما يقول البعض.

sociallegy.com


يحفل التاريخ الإنساني بوقائع مورس فيها العنف والقسوة، ضد من لم يمثلوا أي تهديد للآخرين:

مثال على ذلك، إقدام الحزب النازي في ألمانيا في  الربع الثاني من القرن العشرين، على الحط من مكانة ملايين اليهود واعتبارهم في مرتبة أدنى من البشر، عبر نعتهم بأنهم هوام وقمل.


ازدراء فعل الخير:

قد يلحق الناس الضرر بمن هم مفيدين لهم في بعض الأحيان. 


وقد كان ذلك موضوعا لدراسة، تم من خلالها إشراك أفراد العينة في لعبة، تتيح لهم الفرصة لوضع أموال في صندوق جماعي؛ بحيث يحصلون جميعا على عائد أكبر كلما وُضِعَ في الصندوق مبالغ أكثر، بغض النظر عما دفعه كل منهم لهذا الغرض، أو ما إذا كان قد دفع نقودا من الأصل، من عدمه.


وبحسب الدراسة، مُنِحَ لكل شخص في نهاية اللعبة، الحق في التنازل عن جانب من أرباحه مقابل معاقبة لاعب آخر، على خلفية المبلغ الذي اختار استثماره في الصندوق. ويتمثل هذا العقاب في خصم جزء من ربح هذا اللاعب الآخر بدوره. ويعني ذلك باختصار، تمكين اللاعب الأول، من أن يكون "شخصا حاقدا".


ورغم أن الدراسة أظهرت أن بعض اللاعبين اختاروا معاقبة أقرانهم، ممن قرروا استثمار مبلغ محدود من المال في الصندوق، أو أحجموا عن تخصيص أي أموال لذلك على الإطلاق، فإنها كشفت أيضا عن أن هناك، من قَبِلَ أن يُخصم جزء من أرباحه، لمعاقبة من استثمروا أموالا أكثر منه.


اللافت أن تصرفا من هذا القبيل بدا بلا معنى على الإطلاق. فاللاعبون الأسخياء يُفترض أنهم يمنحون زملاءهم الفرصة، للحصول على عائدات أكبر؛ فلِمَ يسعى الزملاء لثنيهم عن ذلك؟.


تُعرف هذه الظاهرة باسم "ازدراء فعل الخير". ويمكن للمرء أن يراها في أنحاء مختلفة من العالم وربما يكون سبب هذه الظاهرة هو ميلنا لرفض الخضوع لهيمنة الآخرين.


يمكنك قراءة الموضوع الأصلي( كاملاً) على:

 BBC Future


إلحاق الأذى بالآخرين، يستمتعون، دون مبرر، الساديون.

author-img
سوار الماء

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق
google-playkhamsatmostaqltradent